الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
480
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
وبالجملة : أنه قدّس سرّه ما ترك مسلكا من مسالك الكمالات إلّا سلكها ، وما سلك مسلكا يطلب فيه الفضائل والكمالات إلّا ملكها حتى فرغ من كسب الكمالات الظاهرية من العلوم النقلية والفنون العقلية بأسرها ، فروعها وأصولها ، في سن ثماني عشرة سنة . ثم مع جميع هذه الكمالات لم يسكن قلبه إليها أصلا ، بل صرف باز همته إلى طرف الصيد المقصود الأصلي ، وسمع في ذلك الأثناء أوصاف سيد السادات - السيد نور محمد البداوني قدّس سرّه - الكاملة ، فبمجرد استماع أوصافه اشتاق قلبه إلى لقائه ، فوصل إلى صحبته فوجده فوق ما سمعه في كمال التشرع واتباع السنن النبوية والتخلّق بالأخلاق الإلهية . واستغرق في أنوار صحبته المباركة المورثة لصفاء القلوب ، الموجبة لجلاء الكروب ، وقرت عين يقينه من معاينة الشاهد المقصود فيه واطمأن قلبه هناك لما بان له أن شهود الحق إنما يتيسر بملازمة عتبته العلية ، فسأله السيد عن سبب مجيئه ، فعرض عليه غرضه من استفادة نسبة الأكابر ، فقبله ولقنه الطريقة وتوجه إليه بلا توقف مع أنه كان لا يقبل أحدا من غير استخارة ، فجرت لطائفه الخمس بالذكر في أول التوجه ، وذلك من خصائصه قدّس سرّه . وكان مشرفا بالتجلي الصفاتي وتأثر باطنه تأثرا تاما حتى رأى نفسه في المرآة في صورة شيخه وهيئته ، وظهرت فيه محبة تامة وعقيدة راسخة ولوعة وهيام حتى ترك العام والمنام واختلاط الأنام بيمن صحبته وصار يدور حول الخرابات حافيا حاسرا رأسه ، وكان يقنع بأكل قليل من أوراق الشجر عند اشتداد الجوع ، وكان ملازما له إلى أربع سنين . ثم شرّفه بإجازة تعليم الطريقة وإلباس خرقة الصوفية . ولما توفي السيد ، اقتبس الأنوار من مرقده إلى ست سنين حتى ترقى حاله بتوجهات روحانيته من السير في الصفات والشؤونات وأصولها ، ووقعت المعاملة في تجليات اسم الباطن ووقعت الكيفيات الغريبة والحالات العجيبة في نسبته . ثم رأى السيد مرة في منامه ، فقال له : إن الكمالات الإلهية غير متناهية واللازم على الطالب الصادق أن يصرف عمره المتناهي في طريق طلب شيء لا يتناهى ، والاستفادة من القبور غير واقع ، فينبغي الرجوع لتحصيل مقامات القرب الإلهي إلى واحد من أكابر الأحياء . وصدر عنه هذا الأمر غير مرة ، فجاء عند الشيخ شاه كلشن ، المار ذكره ، وأظهر له إرادة كونه في صحبته ، فقال : أنا رجل غير مقيد بداب الطريقة مثل الملا